الشيخ محمد هادي معرفة

312

تلخيص التمهيد

فتقول : رأيت رجلًا ، وأنت قد توهّمته سبعاً ، فتلحق به قولك : يفترس أقرانه ، فتذكر الافتراس دليلًا على ذلك التشبيه المتوهّم . وقد اصطلحوا على تسمية ذلك التشبيه المضمر بالاستعارة المكنّى عنها ، وتسمية ما يقترن معها من خصائص المشبّه به دليلًا على التشبيه بالاستعارة التخييلية . ومن ثمّ كانت الاستعارتان متلازمتين . وعدّوا هذا النوع من الاستعارة ( التكنية والتخييل ) من أبدع أنواع الاستعارات روعةً وجمالًا ، حيث موضع ذلك التصوّر النفسي البديع ، وكلّما كان ما تصوّره الوهم أوفى بواقعية الأمر وأبلغ كانت الاستعارة أبهى وأجمل . قال السكاكي : الاستعارة بالكناية أن تذكر المشبّه وتضيف إليه شيئاً من لوازم المشبّه به على سبيل الاستعارة التخييلية . فتقول : مخالب المنيّة نشبت بفلان ، طاوياً لذكر المشبّه به ، فقد شبّهت المنيّة بالسبع في اغتيال النفوس وانتزاع أرواحها بالقهر والغلبة ، من غير تفرقة بين نفّاع وضرّار ، ولا رقّة لمرحوم ولا بُقيا على ذي فضيلة ، تشبيهاً بليغاً حتّى كأنها سبع من السباع ، فيأخذ الوهم في تصويرها في صورة السبع واختراع ما يلازم صورته ويتمّ بها مشاكلته من أعضاء وجوارح ، وعلى الخصوص ما يكون قوام اغتيال السبع للنفوس بها ، وتمام افتراس الفرائس بها ، من الأنياب والمخالب ، ثم تطلق على مخترعات وهمك أسامي من المتحقق ، لتفيض عليها تلك الصورة الوهمية . وهكذا إذا شبّهت الحال في دلالتها على أمر بإنسان يتكلّم ، فيعمل الوهم في الاختراع للحال ما يكون قوام التكلّم به ، وهو تصوير صورة اللسان ، ثم تطلق عليه اسم اللسان المتحقق وتضيفه إلى الحال ، قائلًا : لسان الحال ناطق بكذا . قال : وقد ظهر أنّ الاستعارة بالكناية لا تنفكّ عن الاستعارة التخييلية ، أبداً « 1 » .

--> ( 1 ) . مفتاح العلوم : ص 178 - 179 .